
لهيب المحروقات: من التحرير إلى نهاية الدعم الحكومي د. مولاي ولد أب ولد أكيك
لسنوات، اعتمدت الحكومات المتعاقبة سياسة تثبيت أسعار المحروقات، فتدخلت لامتصاص جزء من الارتفاعات العالمية، وفي المقابل استفادت من فترات الانخفاض. ورغم أن هذا النظام لم يكن مثاليًا، فإنه وفّر قدرًا من الاستقرار، وأبقى السوق المحلية بمنأى نسبي عن التقلبات الحادة التي تشهدها أسواق الطاقة عالميًا.
مؤخرا، جاء قرار تحرير الأسعار (بتاريخ 7 يناير 2026) تحت شعار “ربط السوق المحلية بالسوق العالمية”، وفق معادلة تبدو في ظاهرها بسيطة ومنطقية: إذا ارتفعت الأسعار عالميًا ارتفعت محليًا، وإذا انخفضت هناك انخفضت هنا كذلك. غير أن التطبيق العملي لهذا التوجه سرعان ما أثار تساؤلات متزايدة، بعدما أصبحت الزيادات تتوالى بوتيرة سريعة، حتى خلال فترات كانت فيها الأسواق الدولية تعرف قدرًا من الاستقرار النسبي.
وقد أظهرت التطورات اللاحقة للتحرير مسارًا متقلبًا يغلب عليه الاتجاه الصاعد، إذ سُجل في شهر فبراير تخفيض محدود، سرعان ما تبعته موجة من الزيادات المتتالية، بلغت ثلاث زيادات إلى حد الآن، بوتيرة شهرية تقريبًا.
لكن اللافت لم يكن قرار التحرير في حد ذاته، بقدر ما كان توقيته. فقد جاء في مرحلة كانت فيها المؤشرات الدولية تنذر باضطرابات متصاعدة في أسواق الطاقة، وبموجة ارتفاعات طويلة في أسعار النفط. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري:
هل كانت الحكومة تستشرف فعلًا صعودًا مستمرًا للأسعار العالمية، فسعت مبكرًا إلى نقل عبء التقلبات إلى المواطن؟ أم أنها وجدت في الظرف الدولي فرصة مواتية لتمرير سياسات رفع الدعم، انسجامًا مع توصيات صندوق النقد الدولي الداعية إلى تقليص الإنفاق العمومي وتحرير أسعار المحروقات؟
صحيح أن موريتانيا تستورد المحروقات المكررة، لا النفط الخام مباشرة، وهو ما يجعل الأسعار المحلية مرتبطة أيضًا بتكاليف التكرير والشحن والتأمين... غير أن هذا التفسير التقني، على وجاهته، لا يبدو كافيًا لإقناع المواطن، خصوصًا حين يشعر أن السوق يتحرك بسرعة ضده، بينما لا ينعكس الانخفاض العالمي بالوتيرة نفسها عندما يكون في صالحه.
ولا أحد ينكر أن دعم المحروقات يثقل كاهل الميزانية، وأن تثبيت الأسعار بشكل دائم يكاد يكون مستحيلًا في اقتصاد هش يعتمد أساسًا على الاستيراد. لكن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على رفع الدعم، بل يفترض أن يوازيه بناء بدائل تخفف من آثار الصدمات الاجتماعية، عبر:
* منظومة نقل عمومي فعالة؛
* حماية اجتماعية قادرة على امتصاص الصدمات؛
* ضبط ورقابة صارمة على الأسواق؛
* شفافية تعزز الثقة بين الدولة والمواطن.
أما أن يتحول “تحرير الأسعار” إلى سلسلة متواصلة من الزيادات، دون وضوح كافٍ في آلية التسعير، فإن كثيرين لن يروا فيه إصلاحًا اقتصاديًا بقدر ما سيعتبرونه انسحابًا تدريجيًا للدولة من دورها الاجتماعي.
أخيرا، يبقى السؤال المطروح:
هل كان تحرير أسعار المحروقات ضرورة اقتصادية فرضتها الظروف، أم أن الاضطرابات العالمية وفّرت الغطاء المناسب للانتقال التدريجي من سياسة الدعم الحكومي إلى منطق تحميل التكلفة كاملة للمستهلك؟



.jpg)
.gif)


.jpg)
(1).jpeg)
